الرئيسية | الأعمدة | تحليل سياسي | قصة.. أرباح تحت التصفية

قصة.. أرباح تحت التصفية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font


حين رشحت منذ سنوات دعوات خصخصة شركة الخطوط البحرية السودانية.. كنت من أشد الرافضين للفكرة.. سيما وأن ثمة شخصنة بائنة للإجراءات كانت تتسيد الموقف.. كما أن تلك الإجراءات لم تكن تتم داخل المؤسسات المنوط بها إنفاذ مثل تلك الإجراءات.. كانت الفكرة يومها تصفية الخطوط البحرية.. وهي مؤسسة اتحادية.. لصالح شركة ولائية كان يجري الترتيب لقيامها.. مع تخطيط محكم لتكون هي الوريث للشركة الاتحادية.. ثم ولطغيان البعد الشخصي فقد كان طبيعيا أن تموت الفكرة بابتعاد بعض الأشخاص عن مسرح الحدث..!
ولكن.. كان جليا أن الفكرة قد عششت وفرخت في أذهان المسؤولين.. غير أن الجديد هذه المرة فقد كان أن التزمت الدولة بأن تمضي الإجراءات في مسارها الصحيح والقانوني.. وأن تتولى أمر التصفية جهة الاختصاص.. وهي في هذه الحالة اللجنة الفنية للتصرف في مرافق القطاع العام.. وليس من أهداف هذا التحليل مناقشة مبدأ الخصخصة.. ولكننا اليوم أمام تجربة عملية تبدو غريبة.. حتى أن النتائج التي سننتهي إليها لا تتسق مع المقدمات.. فدعونا نبدأ من الأول..!
من المفهوم أن أي مؤسسة من مؤسسات القطاع العام تتعرض لخسائر مادية لأي سبب من الأسباب.. فتعاد هيكلة تلك المؤسسة فتحقق أرباحا.. هذا شيء مفهوم.. وأي مؤسسة تتعرض لخسائر مادية فتتم خصخصتها بالكامل.. أي بيعها.. فتنتقل تلك المؤسسة من الخسائر إلى الأرباح.. جراء جهد ملاكها الجدد وحسب ما ضخوا فيها من أموال.. وهذا شيء مفهوم أيضا.. أما أن تحقق مؤسسة ما أرباحا.. وأرباحا مقدرة.. خلال فترة التصفية.. علما بأن السبب الرئيس للتصفية كان هو الخسائر المتلاحقة.. فهذا هو الأمر غير المفهوم..!
نظرة عجلى لاختصاصات اللجنة الفنية وفق قانون التصرف في مؤسسات القطاع العام توضح أنها تنحصر في.. حصر مرافق القطاع العام المناسبة للتصرف.. حصر الأصول والممتلكات للمرفق المحدد للتصرف وتقويمها فنيا ومالياً.. تحضير منشورات تعريفية وترويجية للمرافق المحددة للتصرف وتقديمها للجنة العليا.. حصر الديون وسائر الالتزامات القانونية المتعلقة بالمرفق المحدد للتصرف.. حصر العاملين بالمرفق المحدد للتصرف وتقدير حقوقهم وطريقة معالجة أمورهم.. تحديد النظم المالية والفنية والإدارية للإشراف على المرفق المحدد للتصرف خلال فترة التصرف.. اللجنة الفنية مارست مهامها وفق القانون.. ويكشف مصدر فيها أنها نجحت عبر وزارة المالية في الوفاء بالتزامات وحقوق العاملين كافة باعتبار أن الشركة خاسرة.. ومضت في إجراءات التصفية.. إلى هنا وكل شيء عادي..!
أذكر تماما أن أحد قيادات الخطوط البحرية قبيل التصفية كان قد تحدث معي أن واحدا من أكبر الأخطاء إيقاف أقسام الشحن والتفريغ والتخليص الجمركي.. نسيت الأمر ولم أتذكره إلا حين اطلعت على الحقيقة المذهلة وهي أن أقسام الشحن والتفريغ والتخليص الجمركي.. التي تركتها اللجنة الفنية تعمل.. ولكن.. بعد مراجعة النظم الإدارية والمالية وتوفير الضوابط المطلوبة.. والمنهج الإداري الفعال.. والإشراف الدقيق.. والمراقبة اللصيقة.. وخلق الحافز الإنتاجي لدى العاملين.. قد حققت إيرادات بلغت نحو ستة وعشرين مليون جنيه.. مقابل مصروفات تشغيل بلغت نحو عشرين مليون جنيه.. لتحقق أرباحا تجاوزت الستة ملايين جنيه.. وذلك فقط لمدة خمسة أشهر وهي الفترة من مطلع أبريل حتى نهاية أغسطس 2016..!
هذه الحقيقة لا تقدم إجابات.. بقدرما تثير الكثير من الأسئلة عن كفاءة وفاعلية الإدارة في مؤسساتنا العامة.. أما أن تربح مؤسسة تحت التصفية فأمر يستحق الوقوف والتأمل.. والمؤسف أن هذا يعزز صحة قرار التصفية.. وليس العكس..!

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0