الرئيسية | زيارة خاصة | بروفايل | "صرخة تربالي" فكروا وقدروا مع التربالة والرعاة في هواجسهم بين الأعيرة النارية والسرقات الحديثة، حيث يخبركم دقيس بقصتهم التي لم يعتادوها أبدا.. كم أصبح سهل البطانة متوحشا

"صرخة تربالي" فكروا وقدروا مع التربالة والرعاة في هواجسهم بين الأعيرة النارية والسرقات الحديثة، حيث يخبركم دقيس بقصتهم التي لم يعتادوها أبدا.. كم أصبح سهل البطانة متوحشا

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
"صرخة تربالي" فكروا وقدروا مع التربالة والرعاة في هواجسهم بين الأعيرة النارية والسرقات الحديثة، حيث يخبركم دقيس بقصتهم التي لم يعتادوها أبدا.. كم أصبح سهل البطانة متوحشا


الفاو – حسن محمد على
على المغيب أو قبله بقليل يحزم العم محمد يوسف دقيس أغراضه ليعود لمنزله بقرية "الخياري" بولاية الجزيرة، حيث يكون قد أمضى نهار يومه في "مضيفة" على الطريق القومي بمدينة الفاو في القضارف يدير منها أعماله الزراعية ونشاطه الاجتماعي الكثيف في سفح جبل الفاو وفي أحد أفقر أحيائها المكون من نازحي الحرب في الجنوب ولفيف من السودانيين يقاسمونهم المعاناة ويختار هذه البلدة رغم ثروته الطائلة، ينفق "الدقيس" وهو الاسم الممنوح له بالتعريف من القطاع العريض الذي تجمعه به أواصر الحياة الاجتماعية، جل وقته لمقابلة ضيوفه من العامة والسياسيين وأهل الحكم، فاستراحته القديمة المكونة من قطية مكيفة وباحة فسيحة من القش والحطب تستقبل في النهار العشرات من عابري الطريق وطالبي الحاجة، ويشهد منبره العام نقاشات عميقة عن الأوضاع الزراعية وشؤون التربالة.. أخيرا اهتدى دقيس لمنح استراحته بعض التحديث ومنحها شكلا حديثا من البناء الثابت حتى تكون مهيأة لاستقبال أكبر قدر من الناس.
(1)
مثله وجيل التماس الذي نشأ وترعرع بين ولايتي القضارف والجزيرة، يتعايش "محمد يوسف" بين كل المكونات الاجتماعية في هذه المنطقة ويعد أحد أقدم قيادات العمل السياسي والاجتماعي حيث ولد في قرية "حفيرة" في أربعينيات القرن المنصرم، وانخرط مع بقية أنداده في العمل الزراعي والرعوي مباشرة بمجرد أن أكمل "الكُتاب" المرحلة التعليمية الأولى في تلك الحقبة، ودائما ما تمثل منطقة البطانة الممتدة في أربع ولايات بالبلاد أواصر للترابط والتواصل وغزارة للحياة الاجتماعية، وتفرض العادات والتقاليد التواصل في كل الظروف فرغم رهقها في ظل بيئة طرق قاسية وحركة تنقل تكاد تنعدم في بعض القرى إلا أن الأهالي ورجال المنطقة ونساءهم دائما ما يهبون في حال حدوث فرح أو كره، ومنهم "يوسف" الذي يتحدث رفاقه أنه أمضى جل عمره متنقلا بين هذه المناطق في البطانة وتخومها ووديانها، وعن نفسه يقول: "المشي للواجب مهمة لا تدانيها مهمة أخرى ولو كانت صعبة وشاقة".
 انخرط دقيس حسب ما تقول سيرته الذاتية في بواكير عمره بالعمل السياسي، ونافح لنيل عضوية البرلمان لدورتين من القواعد الشعبية التي توجته وبسببها كما يقول تقدم باستقالته من البرلمان عندما فشل في ترجمة شرعيته الجماهيرية لخدمات وحلحلة قضاياهم، وصام منذ تلك العهدة البرلمانية عن العمل السياسي وواصل في خدمة المواطنين اجتماعيا.
(2)
تكتنز الاستراحة "القروية" البسيطة بكثير من القضايا، وحيث لا توجد بوابة مغلقة أمام القادمين فقد قدرت أن أبدأ زيارتي لها من أول ضيف كان يجلس في ظل إحدى الأشجار، بدا لي أنه راع للأغنام على هيأته الرثة البالية قبل أن أهم بسؤاله كان مستعدا للإجابة، يحمل أحمد شكوى رسمية لصاحب الاستراحة بسرقة تعرضت لها أغنامه، ويتحرى من الجموع الغفيرة المتواجدة في سفح الجبل ما اذا كانوا قد اقتفوا أثر ماشيته المقدرة بحوالي "80" رأسا من الأغنام، في المقابل فإن دقيس الذي يقف مع الجميع في مشكلاتهم لم يكن هو الآخر يعلم بسرقة المواشي لكن لا مانع لديه لو حرك رعاته في البطانة والفاو لتقصي أثر أغنام أحمد، وهي الخدمة البسيطة والشاقة في آن وأكثر ما يقدمه لهم فيما يلجأ في بعض المرات لدفع تعويض للذين يعانون من سرقة كاملة لأغنامهم.
 تركت أحمد في محنته ودلفت لداخل القطية الكبيرة المسقوفة بالقش وسقف آخر من القماش كأفضل ما يكون الصنع المحلي.
(3)
ألقيت التحية على "القبائل" التي كانت توجد لحظتها مع العم "دقيس" راقتني فكرة الجلوس المؤدب فرغم ضيق المكان إلا أنه واسع بالهدوء الذي يتمتع به، بين الفينة والأخرى يتقدم أحد الموجودين نحو "سرير" يتخذه العم دقيس مليئ بالأوراق والكتب والصحف أيضا فكما أسلفت لكم فإن دقيس تحصل على تعليم أولي يمكنه من إدارة أعماله الكثيرة ومخاطبة جموعه فضلا عن الخبرة الحياتية الضخمة والتجارب التي صقلته فالحياة وليدة التجارب، بهدوء رد على التحية فلم تكن تلك الزيارة الأولى لكنها الأهم باعتبار أنني سأوثق لقصة رجل تمشي بسيرته الركبان، بلا تردد كان يمطرني "دقيس" بوابل من الأخبار التي تؤرق مضجع البلاد، يكشف عن تخصص بعض اللصوص في سرقة "دساكي" زراعية يرى أنها سرقة نادرة لأن المزارعين في تلك المنطقة لا يلقون بالا للدساكي بسبب كبر حجمها ويلقونها بإهمال في كنابيهم الزراعية، ويقدر بخبرته أن سرقة هذا النوع من الماكينات مكلفة للمزارع لسعره العالي فضلا عن تخزينه في آخر الموسم أو تعيين خفير لمراقبته ولن ينجو هو الآخر فقد تمكن اللصوص في آخر عملية من توثيق أحد الخفراء وتركه في العراء بعد أن تمكنوا من سرقة "الدساكي" من أحد الكنابي الزراعية.
(4)
فكروا وقدروا في حجم القضايا التي لم تصل لردهات المحاكم ولم تعثر السلطات على الجناة فيها، يخبرنا دقيس قبل أن تمضي على جلستي معه دقائق معدودات أن احد السائقين في سهل البطانة أوقفه عابرو سبيل، توقف السائق حسب ما يروي دقيس كعادة مألوفة وسلوك حميد من الجميع تجاه من انقطعت بهم السبل، لكن يسترسل بأن عابري السبيل لم يكونوا إلا مجرد لصوص قاموا بنهب عربة الرجل بعد أن أوثقوه.
خطورة ما أصدره دقيس حسب مايري انه يمثل انتقالا خطيرا لفضيلة فضل الظهر إلى مؤامرة بامكانها أن تنسف هذه الفضيلة الحسنة، لم ينقطع سيل الحديث عن الأعيرة النارية في سهل البطانة ولم يتوقف فدقيس يشير لحادثة أخرى تعرض لها أحد أكبر المزارعين في المنطقة حيث أمطره مجهولون بأعيرة نارية بينما كان في طريقه إلى ماشيته في سهل البطانة في وقت ما بين المغرب والعشاء، ويشير إلى أن المزارع زاد من سرعة عربته ليتخلص من الجناة وتمكن من الفرار حيث تأثرت سيارته ببعض الطلقات إلا أنها واصلت المسير حتى بلغت مدينة الفاو بولاية القضارف.
(5)
عن نفسه يقول دقيس إن فترته الطويلة في رعاية وإنتاج المواشي والزراعة نادرا ما تعرضت ماشيته خلالها للسرقة لكن قبل شهر من الآن كان حوالي "40" رأسا من ماشيته يختفي من القطيع، ولغرابة الامر فانه لم يعثر عليه رغ عمليات البحث المضنية التي تكفلها في سبيل استعادة ماشيته، ورأى أن البطانة كان فيها ضرب "السالف" الذي يتم بموجبه إعادة جعل من الماشية المسروقة إلا أن الماشية الآن تتم "سرقتها" للابد حيث يفشل المربون وكذلك ينمحي أثر اللصوص أمام السلطات المختصة.
(6)
بعد كل تلك الشكاوي الا أن دقيس الذي يحتفظ بوسام الإنتاج الذي منحه له رئيس الجمهورية المشير عمر البشير في احد المواسم التي حقق فيها أكبر إنتاجية لمزارع بالبلاد يرى أن الأوضاع في البلاد يمكن أن تذهب للأفضل حال تم تأمين الموسم الزراعي بصورة جيدة، وامتدت يد الحكومة وانبسطت لنهضة المزارع حيث يمثل كل أمل البلاد في الخروج من الازمات الاقتصادية، ويمثل وجوده دافعا للاستقرار الاجتماعي ايضا كما يقول صاحب الاستراحة في سفح الجبل.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0