الرئيسية | زيارة خاصة | بروفايل | السني الضوي.. لا هزار في روضه غنى لا فرح عطر بيادر

السني الضوي.. لا هزار في روضه غنى لا فرح عطر بيادر

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
السني الضوي.. لا هزار في روضه غنى لا فرح عطر بيادر

الخرطوم ـ درية منير
** كانوا ثلاثة عند إطلالتهم الأولى، أدهشوا الجميع بأدائهم الرائع وأصواتهم الساحرة وتناغمهم غير المسبوق، وحين أطلوا على الجمهور للوهلة الأولى بدا وكأن جنونًا أصابه، أتسعت أعينه، وتمايل طربًا فكان أن أوجد ثلاثي العاصمة لأنفسهم مكانًا مريحًا ضمن حيّز غنائي كان وقتها في خمسينيات القرن الماضي ضيِّقًا ومحتكرا لعباقرة تصعب المنافسة معهم .
يوليو 1964م، شهدت المجموعة أول حزن لها عندما رحل أحد أعضائها المؤسسين (محمد الحويج) فظن الكل أن نهايتها حانت، لكن استطاع الثنائي المتبقي أن يمضي قُدمًا وأن يشق طريقة بقوة وثبات وسط زخم من المطربين الكبار، فكان ميلاد ثنائي العاصمة (السني الضوِّي وإبراهيم أبو دية)، ثم ما لبث الدهر حينًا حتى مضى بالأخير إلى رحاب الله وانتهى الأمر بالسني الضوي وحيدًا دون رفيقي دربه.
* قدم ثنائي العاصمة أعمالا غنائية خالدة، رسخت في الوجدان السوداني قيم الفن السامية والنبيلة، ولأن الشيء بالشيء يذكر، قمين بنا أن نعود القهقهرى لنمتح بعض العبق من سيرة عطرة لفرقة يمكن أن نقول إنها تأسست صدفة – أن صح التعبير – فإبراهيم أبو دية كان مطربًا منفردًا والسني ملحن فذ، فكان أن صدفة غنيا مع بعضهما فلاحظ كثيرون تناعمًا وتجانسًا وانسجامًا بين صوتيهما وطريقة أدائهما ثم انضم إليهما الحويج، فكانوا ثلاثة، قبل أن تتوقف الفرقة عقب رحيل الأخير، لكنها عادت (ثنائية) باهرة بجهود كبيرة بذلها الشاعر الكبير الراحل عثمان حسين والسيد محمد توم وزير التربية انذاك.
(1)
وبعض تلك السيرة المبكرة، تقول: "الضوي من مواليد الشمالية مدينة نوري، سافر بواكير صباه إلى بورتسودان معية أخيه محمد الذي كان مقيما بها، وانتسب إلى مدارس كمبوني، ومنها إلى العاصمة ملتحقًا بمدرسة الأقباط ومن ثم خريجا في المعهد الفني، بعده، عمل لسنوات في مدير الحسابات بالكهرباء بأم درمان قبل أن يتقاعد في العام 2002م، له دور كبير في الموسيقى السودانية الحديثة، حيث قدم ما لا يقل 187 لحنا وأغنية خلال مسيرته الفنية التي جمعت بين الكلمة البسيطة واللحن الخفيف، كما تعامل مع عدد من الفنانين مثل منى الخير والموسيقار محمد وردي، لكنه فُتنْ بشكل خاص بصوتي عائشة الفلاتية، وعثمان حسين.
(2)
رفيق دربه إبراهيم أبو دية الذي توفى منذ عشرة أعوام شكل فراغًا كبيرا في فؤاد السني حيث رفض مواصلة الغناء بعد رحيله، وكان يقول: ليس من السهل أن يقف بجانبي شخص مثل أبو دية الذي شاركته رحلة استمرت ما يقارب أربعين عاماً تفاسمنا خلالها كل تفاصيل الحياة بما فيها السكن واللبس والعلاقات الاسرية.. رغم رأي البعض بأنه كان أفضل لو غنى أبو دية وحده لجهة أن صوته يمتاز بالقوة والحدة إلا أنه رفض بحجة أن صوته يجد نفسه في صوت رفيقة السني، ولربما هذا الاتساق والتجانس بجانب قدرتهما التطريبة العالية، ما مكناهما من تقديم نموذج باهر للثنائيات لا نظير له في تاريخ وراهن الأغنية السودانية الحديثة.
(3)
هو الآن وحيد في محنته المرضية، يعاني تجاهل الدولة والإعلام، يردد بألم ومرارة عبارته الأثيرة (الحمد لله الكرعين ماشات والعيون شايفات).
ظروفًا صحية صعبة يعانيها الفنان السني الضوي وهو نهاية مسيرته الفنية، ظروف جعلته يفقد ذاكراته بحسب إفادة لزوجته وردت في حوار للزميل نصر حامد أوضحت خلاله أنه يعاني من مشكلة في الشريان كانت تتطلب إجراء عملية مستعجلة وبالفعل أجريت في الخرطوم وكانت ناجحة ومرت الأيام الأولى بسلام، وكان يتقدم بسرعة نحو نعمة الصحة والعافية، لكن قبل ثلاثة أشهر سقط من السرير وحدثت مشكلة في المخ أدت إلى فقدانه الذاكرة، ولم يعد يستطيع الحديث، وأصبح من الضروري جداً أن يسافر لتلقي العلاج بالخارج، مضيفة: نعم سافرنا للعلاج في مصر وكان من المفترض أن نعود إليها مرة أخرى في أبريل المنصرم لمقابلة الطبيب، ولكن لم نستطع حيث أنفقنا كل ما نملك في العملية التي خضع لها وفي إجراءات سفره إلى القاهرة ومع ارتفاع الدولار وزيادة أسعار التذاكر وجدنا صعوبة بالغة في عودته للعلاج بالقاهرة.
(4)
حال السني هو حال جل المبدعين السودانيين عندما يبلغون من الكبر عتيًا، وننظر حولنا فنرى الأستاذ حمدي بدر الدين وأسماء حمزة وصديق أحمد وإبراهيم حسين وغيرهم من الذين وهبوا أنفسهم لوجداننا، والسني أحدهم لا شك، فقد قدّم ما ظن أنه سيجد مقابلا يسير  له في سنوات عجاف، لكن للأسف فالرجل لم يوله أحد رعاية ولا اهتماما، كرم مرة قبل من مجموعة من الصحافيين في وقت ولى عنه أصدقاؤه عدا شبيكة وأدارت له وزارة الثقافة ظهرها، لكن ولأن يقيض الله لك من عبادة من لم تحتسب كان أن تكفل المرة السابقة بعلاجه ومنصرفات سفره إلى القاهرة رجل الأعمال صابر الخندقاوي.
الآن، الرجل ينتظر، ربما تحمله الملائكة على أجنحتها إلى مشافي المحروسة، فقد حمل على اجنحة غنائه كافة السودانيين لما يقارب نصف قرن، وربما كلنا يردد الآن (معايا معايا في الدرب الطويل)، أو يصيخ السمع لـ(لا هزار في روضة غنى، لا فرح عطر بيادر، السنين يا ريتها تجري وكل يوم  ياريتو باكر).

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0