الرئيسية | دنيا | "أثر بعد عين" صالون فوز.. من منبر للفكر والثقافة إلى سوبرماركت

"أثر بعد عين" صالون فوز.. من منبر للفكر والثقافة إلى سوبرماركت

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
"أثر بعد عين" صالون فوز.. من منبر للفكر والثقافة إلى سوبرماركت


أم درمان - أفكار إبراهيم الحاج
الفرق بين اسم فوز وفيروز حرفان فقط، ولكن بين صالون فوز وسوبرماركت فيروز تاريخ يطمر وصفحات تطوى من كتاب سيرة صوالين الأدب في السودان التي اشتهرت بها مدن عدة خاصة مدينة أم درمان التي احتضنت الصالونات والمنتديات الأدبية، بجانب المقاهي والمنتديات السياسية الأدبية.
وصف المؤرخ الأديب حسن نجيلة المجتمع الأم درماني في الحقب القديمة الذي كان يحيط بهذه الصوالين بأنه كان مجتمعا خاليا من الملاهي العامة التي يؤمها الناس ويجدون فيها متنفسا، وكان المجتمع الأم درماني يراقب بحسرة وأسى سنابك خيول المفتشين الإنجليز، وهي تجوب طرقات البقعة صباحا ومساء، كان الناس يهتمون بالحوليات التي يقيمها مشائخ الصوفية كما كانت هنالك سينما صامتة يرتادها بعض الصبية والشباب، وينظر لها الشيوخ ورجال الدين على أنها رجس من عمل الشيطان الرجيم، في ظل هذه الظروف المعقدة نشأت الصوالين والمقاهي، وكان منها (صالون فوز).
منتديات ثقافية
يقول المؤرخ حسن نجيلة وهو ابن أم درمان بجانب كونه أحد شهود ذلك العصر، ومن مرتادي صوالينها بأن أم درمان في ذلك الزمان كانت شاحبة حضاريا لم تجد الثقافة موطئ قدم فيها إلا داخل هذه المقاهي والصوالين، واشتهرت فيما بعد عدّة منتديات وصوالين بمدينة أم درمان منها (جمعية الاتحاد السوداني)، (جمعية أبوروف)، (جمعية الهاشماب)، (مجلس الشيخ الطيب السراج)، (ندوة لسان العرب)، (ندوة التجاني عامر)، (ندوة ملكة الدار محمد عبد الله)، ومن أشهر صوالين أم درمان الأدبية كان هناك صالون الشول بت حلوة بحي المسالمة (صالون بت الخبير) بحي الشهداء، (ندوة إشراقة الأدبية).
أسماء ومعان
اسم (فوز) سميت به كثير من الصوالين، وهو اسم مستعار مأخوذ من اسم فوز صاحبة العباس بن الأحنف، وقد كان هناك عديد من الصوالين بمدينة أم درمان وكلها تحمل اسم فوز، (فوز بحي ميدان الربيع)، (فوز شمال السوق الكبير)، (فوز حي الزهور)، يقع صالون فوز (سراية مبروكة) في فريق (ريد) أحد فرقان حي الموردة العريق وهي عبارة عن قصر قديم يوجد في زقاق ضيق خلف جامع الأدارسة بحي الموردة لا تزال أطلالها موجودة حتى اليوم، يسجل التاريخ لدار فوز مكانا بارزا في المجال الوطني والشعري والفكري فقد جمعت بين السياسة والأدب، وقد كانت الآلة الطابعة التي تستخدمها جمعية الاتحاد السوداني مخفية بداخلها.
دار مبروكة
 في السياق، قالت مبروكة علي الشهيرة بـ (حلوة) وحفيدة (فوز) لـ (اليوم التالي) إن صاحبة (دار فوز) امرأة تسمى (مبروكة)، وتلقب نفسها بفوز، كانت فارطة الذكاء ذات اهتمام عارم بالأدب والفكر والقضايا السياسية رغم محدودية تعليمها، كما كانت مهابة محترمة من جيرانها، وعرف عنها تمسكها الصارم بأخلاقيات بنات السودان ونسائه. وأضافت: تنحدر مبروكة من أسرة ترجع أصولها لمنطقة بربر من أب بريطاني تعرف على أمها السودانية في بربر وتزوجها وأنجب منها مبروكة وشقيقتها المقيمة في منطقة المسيد بالجزيرة، كانت شقيقتها هي سبب نزوحها للموردة مع أمها وذلك بغرض معرفة أحوالها بعد هجر زوجها لها ثم رحلت أختها للمسيد بعد زواحها مرّة أخرى. وأردفت: أقامت فوز مع أمها بحي ريد بالموردة شرق مسجد الأدارسة وكانت مولعة بالفن والأدب وتمتعت بحسن أخلاقها وجمالها الأخاذ.
تحول كبير
من جانبه، قال عبد الواحد حسين الباحث في التراث والفن السوداني القديم لـ (اليوم التالي): إن مبروكة تلقت تعليما لا بأس به ودرست في خلوة الشيخ حسن حسين، وهو من (المواليد) الذين سكنوا حي الموردة، كما تعلمت الإنجليزية بمدرسة إبراهيم سوميت بالموردة، وهي من أوائل مدارس التعليم التطوعي الأهلي، ومن هذه المدرسة تخرّج أبو صلاح وكثير من أساطين الفن والأدب. وأضاف: تزوجت مبروكة من ضابط سوداني يعمل في الجيش المصري كان هو الآخر مولعا بالفن والأدب يجيد العزف على آلة العود بأسلوب (سوداني متمصرن)، وقد شكل زواجها منه بداية حقيقية لريادة حقبة (مابعد الطمبرة) من داخل الصالون. واستطرد: كان إبراهيم عبد الجليل ابن الموردة والمعروف بعصفور السودان يجاور سكنه قصر فوز، وهو يعد رائد حقبة ما بعد الطمبرة دون منازع. وزاد: انطلقت من دار فوز أشهر الأغنيات لكبار الفنانين والفنانات، الذين كانت فوز تستقبلهم ببشاشتها وذكائها الفطري اللماح، حيث كان صالونها قبلة يرتادها رواد المنابر الأرستقراطية ورموز الفن والأدب مثل عبيد حاج الأمين، صالح عبد القادر، محيي الدين أبو سيف، مكاوي يعقوب، توفيق صالح جبريل وغيرهم، مؤكداً أن الشاعر الكبير الشيخ عبد الله محمد عمر البنا كتب أمجاده وعبقرياته من داخل صالون فوز، ويتكئ على الأريكة التي تجاوره ملهم الأغنية السودانية خليل فرح، حيث يأتيه وحي عبقرياته وأجمل أغنياته مثل رائعته (ما هو عارف قدمو المفارق)، وهي من أجمل الأغنيات السودانية. وكشف عبد الواحد عن تحول موقع الصالون إلى سوبر ماركت بعد أن قامت الحكومة ببيع أرضه.
هدم شاهد الإبداع
 ساقتني قدماي إلى قصر (مبروكة)، فوجدت أن السادة الأشراف (الأدارسة) جيران الصراية اشتروه وهدموه، وعلى أطلاله بنوا منزلاً ملحقاً به سوبر ماركت، اللافت للنظر أنهم سمّوه باسم مشتق من اسم صالونها (سوبر ماركت فيروز) ومكتوب عليها لافتة تطلّ على شارع الموردة، وكأنها تمد لسانها لنا وللتاريخ.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0